رواية حب وعشق قصيرة – هزيمتي الأولى



كنت أسير في طريق واسع المعالم ليلا ، أمشى به كعادتي لأرى وجه الليل في أضواء المساء ، نور القمر ونجمات تتلألأ في السماء ، وأرتدي كعادتي لهذا الطريق قميصا بلون الحناء، كان هدية جدتي قبل أن يجبرنا فراقها على البكاء، وكان أجمل ما ارتديت يوما في فصل الشتاء.

رواية حب وعشق قصيرة - هزيمتي الأولى

وفي يوم كانت الغيوم تغطي السماء ، وقطرات الأمطار ما بين سقوط ومنع وعطاء ، خفيفة الهطول في ذلك المساء ، وخطواتي تتباطئ لمثل هذه الأشياء ، لأستمتع برائحة الأمطار واستشعر برد الشتاء، وعيناي تلوح بكل زاوية يملؤها الماء كأن الطريق إناء ، والبسمة ترتسم على وجهي سارحا بأفكار البسطاء ، مزيلا كل ما في قلبي من تعب وشقاء ، مريحا لنفسي وداخلي مما رأيت بيومي من عناء ، غير ملتفت للمارة جميعهم وكأني وحدي أسير في فناء ، فأنا أكتفي ببعض الفرح بنفسي ولا أجعل بعيني مكانا للغرباء.

لكن لم يستمر يومها هكذا الحال ، بل تغير الأمر لشعور بدأ بالاستكمال ، فبعض المارة منذ رؤيتهم على مد البصر أصبح بيني وبين نفسي سجال، من أولئك ؟ رغم أني من قبل كنت لا أحب الضوء ولا اكترث للسؤال ، هم يقتربون ناحيتي جنوبا وأنا أتقدم الخطوات باتجاه الشمال ، إلى أن بقي بيننا أمتار لتفسح للرؤية المجال، فما كان من عيناي إلا وقفة وكأنها رأت قمم الجبال، كأن السماء أغزرت كل أمطارها على رأسي للهروب والانتقال، لكنني لا أذكر أني ما رأيت من بينهم سوى شخصا واحدا كان إلى ناحيتي يسير بإهمال.

كانت ترتدي الأسود وكأنه عليها أجمل من ألوان العيد ، وكانت تحمل بيديها حقيبة صغيرة تمسكها بإحكام شديد ، وتغطي رأسها بقماش بني يشبه لون عيوني من بعيد ، وخطواتها ليست ثابتة في الأرض كأنها تستعجل المزيد، ولا تلقي بالا يمينا ولا يسارا ولا بالقريب ولا بالبعيد، وكان وجهها ما بين مستدير وبين جمال فريد، وتفاصيل وجهها كأنها سعيدة حزينة فلم أفهم من ملامحها سوى بحثا عن سعادة تريد ، فنظرت لعيناها فصدمتني كبرق العواصف بشعور شديد.

مرت هي من جانبي ، ومررت أنا من جانبها ولم أدرك ما حل بي ، هي تسير بطريقها وانا بطريقي ماض لكن عيوني لها مستدير برأسي ولا أشعر بنفسي ،أتسائل أيها العنيد ما حدث بقلبي ؟ ، فلم يجبني ذلك العقل الذي ينقذني عادة عند كربي، فلم أشعر بشيء سوى نبضات قلبي تطرق الصدر بقوة كأنه باب سيفتحه دربي ، فاختفت هي ولازال ذلك الشعور يمسك بأمري ويشل حركاتي ولا تزال صورتها كشخص بجانبي قريب.

لم أعرف من أمر كياني بالالتفاف في المسير معاكسا نحو طريقها، ولحاق بخطواتي مسرعا نحو مسيرها ، وكأن الأمر متعلق في شيء يخصني بأمرها ، فاستعجلت أكثر وأكثر لكي لا أفقد أثرها ، حتى رأيتها تدخل بابا حديديا لبيتها ، فكانت آخر من يدخله ممن يرافقها ، أتواضعا ذلك منها أم صدفة لكي أراها بآخر لحظة لمحتها، أم أنها لصة سرقت قلوبا قبل قلبي وجاء دوري لكي أحبها، أم أنها مجرد عابرة مرت وبالنوم سأنسى صورتها وظلها.

فعدت أدراجي لبيتي أحاسب نفسي ما حدث بها ، وكأني أجمع حسابات العمر كلها ، في كفة حساباتي خاطئة وفي الأخرى الصواب ليس سوى ظلها، حتى وصلت لفراشي ميقن أني كغيرها من الجميلات معجب بشخصها ، لكن النوم فارق عيناي ولم يحدث أن سهرت لأجل صورة بخيالي قبل أمرها، ولم أعتد على التفكير بأحد طوال الليل بأكمله فتُنسي حواسي نومها ، ولم أشعر قبل بغيبوبة العقل تغطيه دماء قلبي لتفرض عليه ذكرها، حتى بزغت الشمس وأنا في حيرة من معرفة كونها.

خلال الليل جنت أفكاري ما بين الصعود والهبوط في فهم ما أريد ، فتارة اشعر أنها لازالت تمر من جانبي بنفس الطريق الجديد ، وتارة ينتابني شعور أنها متزوجة فعلي أن أكون بعيد ، وشعور آخر يأتي فجأة بأن عليك أن تكون حازما بأخذ قرارك فلا تعيد ، وآخر يخبرني بالتريث والمعرفة أكثر لعلها تكون كما الأحلام الجميلة في الحياة تزيد.

لم أكن يوما مشتت الأفكار بهذه الطريقة ، ولم أرى عيونا بها هذا اللون الذي يتداخل ليهزم نفسي بالحقيقة ، أني أحببتها من أول لحظة ودقيقة ، فكل من قال أن الحب لا يكون من نظرة فهو لم يصادف تلك الطريقة، وبدأت نفسي توسوس لي بكل ألوان البحث عنها بأفكاري كصديقة ، فبدأت بنفسي رحلة العذاب تدفعني مشاعر دفينة سحيقة ، ولكنه عذاب حلو مذاقه كأنك تعيش بنفسك ولغيرك كل دقيقة ، فمشاعري لا تنسى ذكرهم وكذلك لا تذكر ما كان قبل تلك الصدفة من أحد أو صديقة.

فكتبت قصيدتي الأولى بها :

لم تهزمني الأيام بقدر ما هزمتني عيناكي .. فأي هروب من الدنيا عندما لا ألقاكي
أجن مضطرب الحواس كلها عند رؤياكي .. أفلا ترحمين من يتجمد بمجرد ذكراكي
وكأن السماء بعدت والأرض شقت لقدماكي .. ولست بقادر على تلاقي عيناي بعيناكي
فهل تصفين لي علاجا شافيا بيداكي .. أم أدمنتي رؤيا ألمي برضاكي
فلا تبتعدي أكثر فيشتعل بداخلي هواكي .. فأحترق صامتا بضعف ويقترب هلاكي
فكوني رقيقة الكلمات فأنا لم أنساكي .. بل نسيت ما كنت أود قوله عند لقاكي
ولا تكوني متحجرة المشاعر ففي يمناكي .. ما لم أجد من الخير و الطيب في سواكي
وفي يساركي قلبا ينبض تفاؤلا بدنياكي .. ذاك ما شدني من أول لحظة لأهواكي

وفي حلول الصباح هنالك من أخبرني ألا تنتظر النوم لكي ترتاح بنفسك ، لذا أيا أنتي الغائبة .. حملت كياني لأبحث عن عيناكي وشمسك، وعن ذلك الصوت الذي سمعت به بعض الكلمات لمن حولكي بهمسك ، وعن تفاصيل أخرى أعجز عن وصف شعورها لرسمك، إلا عيناكي فقد أفقدتني صوابي دون أن أعرف مجرد اسمك، فقد هزمتني بلحظة وجعلتي من روحي لكل ما رأت منكي تمسك، وخلدت بكل دقة تفاصليك في ذاكرتي برسمك، إلا أن هزيمتي الكبرى كانت ببحثي لأيام حول بيتك ، فلم أرى لا أثرا لكي ولا أنتي خرجتي من بابك ولا ظهر لي طيفك ، فأجبرتني أن أطلق عليكي من نفسي لك اسمك، فأسميتكي (عيون هزمتني) فكانت هزيمتي الأولى.

عبدالله الصادي – 12/8/2018



التعليقات
  1. لا يوجد تعليقات حتى الأن ، بادر بكتابة تعليق جديد!

لن يتم نشر بريدك الالكتروني للعامة ، الحقول المطلوبة معلمة بالعلامة '*'

*

اسلاميات
الاناقة والجمال
متابعة الحمل بالكامل
طرق الطبخ والحلويات
شعر عن الحب Poetry about love

شعر عن الحب - أحبكي جدا وبكل قلبي

ماذا يكون الحب لو لم يكن كذلك

ما معنى الحب لو لم يكن كذلك ، كلمات في الحب